|
| قصة البلاستيك |
| تاريخ النشر:2009-8-16 22:24:51 |
صدفة أم ذهن متأهب قبل الشروع في سرد عجائب وغرائب عالم البولمرات السبعة ، لعله من الملائم الإشارة إلى أعجوبة ثامنة جديرة بالتنوية والبيان محورها أن قصة تطور البلاستيك مرت عبر سلسلة من المصادفات والفرائد التاريخية التي لا تخلو من بعض الدروس والفوائد التربوية والتعليمية . لقد زُعم أن العديد من الاكتشافات والاختراعات العلمية المتنوعة قد تم اكتشافها بالصدفة المحضة، الشيء الذي سوف نلحظه بشكل متكرر وملفت للنظر عند تتبع تاريخ تطور علم البولمرات ابتداءً لأكتشاف Goodyear لعملية فلكنة المطاط الطبيعي ومروراً باكتشاف النايلون والتفلون واختتاماً – حتى إشعار أخر – باكتشاف البولمر الموصل للكهرباء وكذلك البولمر المشع للضوء . من وجهة نظري المتواضعة اعتقد أن نظرية (الصدفة المحضة) هي تبسيط واختزال مخل لتفسير انجازات علمية مقدرة شاء الخالق عز وجل لحكمته المطلقة أن يمنحها للبشرية بلاغاً لها إلى حين . يبدو ان الأمر أبعد بكثير من تبسيط الأمور بفكرة الصدفة المجردة ، لانه في المقابل ستجد ان عدد الفرص الضائعة عصى على الحصر . فبالإضافة لابتسامة الحظ ودعاء الوالدين - كما يقال - فإن التوفيق لاكتشاف علمي مفصلي و محوري يحتاج كذلك إلى جهد مضني من البحث والرصد واليقظة ، وصدق من قال أن الصدفة لا تقبل إلا على من يحسن أن يغازلها و يستقطبها الية و هذا في الغالب يحتاج الي اداء جهد وليس فقط ابتسامة حظ . بالاضافه لذلك فالأمر أيضاً يحتوي على شيء من الموهبة والملكة لدى العالم والباحث يستطيع من خلالها أن يقتنص وينتهز الفرص المثمرة أثناء تأديته لعمل روتيني تقليدي . ولهذا يقال أن سقوط التفاحة أوحى لنيوتن بنظرية الجاذبية بينما لو حصل الأمر لبعض الخاملين لم يوحي له ذلك بكثير شيء غير أن موعد الغداء قد حان . وقل مثل ذلك مع فلمنج الذي لم يتخلص من طبق البكتيريا الملوث بالفطر وهو يتضجر من تجربة فاشلة أخرى و لكن بدلاً عن ذلك اقتنص الفرصة السانحة ووظف ملكته وموهبته الاكتشافية Serendipity ليتوصل إلى اكتشاف البنسلين . وبمختصر العبارة في كثير من الأحيان يبدأ الحدث العلمي الضخم باللقافة (مع الاعتذار عن التعبير) وحب الاستطلاع Curiosity ، فكما يقال الطريقة العلمية تبدأ بالفضول المعرفي الذي يؤدي إلى مجموعة من الملاحظات والمشاهدات Observations ومن ثم يأتي دور الذهن المتأهب واللمّاح الذي ينتج عجائب الاكتشافات من أمر تافه غير ذي بال يعده غالبية البشر استثناء وشواذ أو تجربة فاشلة مكانها الطبيعي دائرة النسيان و مزبلة الامبالاة .
شيء من تاريخ الصدف البلاستيكية لقد سبق الإشارة إلى أن عدداً من مكتشفات عالم البولمر تعتبر مثال نموذجي لفكرة التلازم بين الصدفة والتوفيق وبين ملكة اهتبال واستثمار الفرص السانحة . في الواقع أنه في حالة علم البولمرات هذا التلازم المثمر قد يعود في أقل تقدير إلى ما يزيد عن القرن والنصف من الزمن عندما أنتج العالم السويدي Schoenbein وبطريق الصدفة المجردة (إذا جاز هذا الوصف لما سبق التنبيه إليه) مركب النيتروسيلولوز عندما سكب محلول النيتريك المركز عن طريق الخطأ على طاولة المطبخ وفي عجاله من أمره مسح الحمض المسكوب بممسحة ومنشفة من القطن ليكتشف فيما بعد أنه بعمله الفج هذا فانه في الواقع حول وعدل مركب السيلولوز الذي هو بولمر طبيعي كما هو معروف إلى مركب جديد ذو خواص غريبة من أهمها أنه سريع الاشتعال بل و يمكن تحويله إلى مواد شديدة الانفجار . ولأن صناعة المتفجرات والبارود كانت مغرية جداً من المنظور المالي لذلك لم يلتفت هذا العالم إلى الخواص الاخرى لهذا المنتج الجديد كالمرونة والتمغنط elastic. في واقع الحال سوف يمر وقت طويل يزيد عن سبعة عقود ليثبت البلاستيك أهميته التنافسية مقابل المتفجرات وذلك عندما ستغير شركة Du Pont اهتمامها من صناعة البارود (التي ابتدئها مؤسس الشركة Du Pont الفرنسي الأصل) إلى شركة عملاقة كانت انطلاقتها الحقيقية باكتشاف Carothers للنايلون الذي يعد من باكورة البولمرات الاصطناعية . من ذلك نستفيد أن العالم النبيه لا يحتقر الأمور الصغيرة والجانبية في بحثه فقد يدور الزمان دورته وتكون هي بعينها سر النجاح والثروة أو كما قيل أن يحتقر صغرٍ فرب مفخمٍ يبدو ضئيل الشخص للنظارِ
الجدير بالذكر انه أثناء ما كان العالم السويدي الآنف الذكر يثير الفوضى بمطبخ منزله بإهماله المزدوج من وضع ومن سكب حمض أكّال على طاولة الطعام ، كان مخترع أمريكي أخر يدعى Charles Goodyear ، قد خرج للتو من السجن بسبب ديونه المتراكمة ليشغل نفسه لسنوات طوال في محاولة تحسين خواص المطاط الطبيعي . و في أحد الأيام وعن طريق الإهمال (أو الصدفة إذا نظرت للحدث من زاوية مختلفة) أسقط Goodyear قطعة من المطاط الطبيعي الخام مع الكبريت في موقد حار في المطبخ (للمرة الثانية تلازم الإهمال والصدفة يهيأ وجود مواد كيميائية في المطبخ !!!) وعندما أزال Goodyear المطاط من الموقد لاحظ أنه ما زال مرناً، الشيء الذي يفتقده المطاط الطبيعي عند التسخين ، وهكذا تم اكتشاف عملية فلكنة Vulcanization المطاط الطبيعي . الطريف حقاً أن هذا التاجر التعيس عندما حاول أن يستثمر براءة الاختراع هذه بإنشاء مصنعين للمطاط في بريطانيا وفرنسا لم يحالفه الحظ وأفلس وحبس للمرة الثانية في فرنسا حتى يسدد الديون التي عليه وبهذا اختتم حياته وهو غارق في الديون والفقر . القصة لم تنتهي هنا فكما هو معلوم فإن اسم Goodyear لا يزال محفوظاً حتى اليوم حيث اشترت احدى الشركات الامريكية اسم هذا التاجر المفلس و وظفته في عمليتها التسويقية الناجحه التي افرزت شركة ناجحة و متخصصة في صناعة المطاط وإطارات السيارات . لهذا الدرس الثاني أن الحظ يأتي مرة واحدة وكما قيل : ليس لأحد حظ كل يوم فكما لا يجتمع سيفين في غمد فكثيرا ما يكون الباحث الفذ أداري و تاجر فاشل .
من جانب أخر يقال أن الرجال المحظوظون لا يحتاجون إلى النصيحة وهذا القول قد يصدقه الواقع فالرجل الذي لا يحالفه الحظ قد يعاني الشقاء حتى وإن كان من أذكى الناس . للتدليل على ذلك لك أن تعلم أن فكرة وجود مركبات عضوية طبيعية أو اصطناعية كبيرة الحجم جداً large molecules مثل البلاستيك أو المطاط الطبيعي لم تكن مقبولة بل ومستهجنة حتى العشرينات الميلادية من القرن العشرين . في الحقيقة هذا كان حال الكيميائي الألماني Staudinger (الذي لم يكن الحظ قد أبتسم له بعد) الذي كان أول من طرح احتمالية وجود مثل هذه الجزيئات العملاقة فقد واجه انتقاد شديد ومرير من المجتمع العلمي والأكاديمي وصل إلى درجة حرمانه من الدعم المالي لإجراء أبحاثه المشكوك فيها . لكن هذا العالم الألماني لم يلقى لهذا التخذيل بالاً واستمر في أبحاثه حتى أثبت أن البولمر في الواقع هو عبارة عن جزيئات ضخمة مما أهله فيما بعد لأن يكون أول كيميائي يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء في مجال كيمياء البولمرات . وحتى نخلص إلى الدرس التالي يحسن أن نذكر بالحادثة المشابهة التي وقعت لعالم ألماني أخر هو Vant` Hoff الذي نشر وهو بعد في سن الـ 25 سنة من عمره مقالة صغيرة يقرر فيها لأول مرة أن ذرة الكربون تأخذ شكل الهرم رباعي الوجوه . المؤسف حقاً أن هذه الفكرة لمبدعة (والتي سوف تسبب في مستقبل الأيام ثورة في الكيمياء العضوية) واجهت نقد قاسي جداً من عالم كيميائي متمكن و مقدر وصف هذه الدراسة بأنها هلوسة علمية وهراء . المعلوم أن هذا الهراء وغيره من الأبحاث قادت فانت هوف لاحقا لأن يكون أول كيميائي على الأطلاق يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1901م . ولذلك نخلص الي الوصية المخلصه التي تحثك علي ان تنافح بثقة عن إنتاجك وأفكارك العلمية اما إذا وجهت بالنقد الجارح فعزى نفسك بقول المتنبي : وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وأفته من الفهمِ السقيمِ |
|